وحجابك الأخضر كالخميلةْ
وكتاب رب الأرض والسماءْ
لا تعد عيناك عن السبيلةْ
الصمت أبلغ ..
لئلا تقف لقيمات الطعام في حلقك فتقتلك ..
الصمت أبلغ ..
لئلا يعاقبك المدرس على الشوشرة فيضربك بسن المسطرة على أصابعك ..
الصمت أبلغ ..
لئلا يستيقظ الكبار .. وكلكم يعرفهم .. (وليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) ..
الصمت أبلغ ..
فالكلاب أعلى صوتاً .. وأوجع سوطاً ..
الصمت أبلغ ..
لأن الكلام لن يصنع شيئاً .. صار لنا قرن أو يزيد ونحن نكتب الكتب .. وندون الدواوين ..
الصمت أبلغ ..
لأن كل واحد فيه ما يكفيه .. ما للبنان للبنان .. وما لفلسطين لفلسطين .. وغداً ما لمصر لمصر .. وما لسورية لسورية ..
الصمت أبلغ ..
لأن أحداً لم يعد يملك شيئاً ليتكلم عنه ويراهن عليه .. لأن القعيد يحسن به أن يقطع لسانه ..
الصمت أبلغ .. أبلغ بكثير والله .. أبلغ ..

سمنود في أيلول 2005
ها أنا أعود إليك يا وطن .. بعد أن خرج أبي منك مهاجرا .. لخمس وثلاثين سنة خلت .. وما قطع أبي فيها خيط أمل واحد في عود حميد .. عود تطيب له تلكم القلوب المكلومة بالفراق .. عود إلى هذي الدار .. بجدرانها الرطبة .. وأثاثها الرث .. بباحتها الواسعة .. وسقيفتها المعرشة .. برجع صوت جدي يتلو فيها القرآن .. وبين أصابعه الناحلة خيوط تتفاوت رقة وقسوة .. إلى جدتي قضت فيها مبطونة .. إلى مكتب استحفظه أبي سره وقد فقد أمه ..
ألا تضمني يا وطني وقد جفوت أبي؟؟ ..
أم تراك تخيل أبي الجافي؟! ..
أبي الذي تغني بك ولك !!
بنيلك .. وحقولك .. بجامعك الكبير .. بريح البرتقال النديّ تحملها رياح الأصباح .. وشدو البلابل في الآصال .. برمضان وتموره وآذانه ..
بقبورك ..وعندها يقف أبي آيبا كل صيف .. يبكي تِربا شاطره عهد الطفولة والصبا .. حال بينه وبينه ثرى طيب .. ولا يطمئنه سوى أنه سيتوسده يوما ما .. إن شاء الله ..
تألمت معرّفا بَنِيك -يا وطني- بنفسي الخاطئة .. وأنّى لهم معرفتها؟! .. بل أنّى لهم معرفة أبي؟! .. أبي الذي غادرك شابا فتيا .. والتهمته سنون الغربة العجاف في صعيد أعجف .. فإذا أنت لا تعرف .. لا تعرف هذا الصبي الأسمر الصغير يلهو في حاراتك .. في حقولك .. وتحت دوحك ذوات الظل الظليل .. يقطع الطريق فيك إلى مدرسته في المدينة .. ويسلخ سحابات طفولته النضرة في كتّــابك يحفظ القرآن مع لداته ..
نسيته .. فنكرتني .. وأنا بضعة منه ..ما أقساك يا وطني!!

قنا - في نيسان 2003
وحده هناك كان جالسا .. محتضنا كأس الشاي بكلتا يديه .. معتمرا قلنسوته البيضاء .. متكئاً على أريكته .. وقد أصاخ بسمعه إلى المذياع ..
كان الوقت فجرا .. والدنيا خلف النافذة صحو يعانق غفوا .. فها هي العصافير تضرب بأجنحتها الهواء المستكين تحركه .. والباعة الريفيون يقتادون حمرهم وخيولهم بأعين لما يبرحها النوم .. بينا تجر الأخيرة عربات الخضر والفواكه .. وتؤوب الكلاب إلى أوكارها بعد ليل راتع طويل .. ويستجمع النهار ما شتته الليل .. فراح الشارع يمتلئ شيئا فشيئا بالناس يمجهم مجا .. الطلبة الصغار .. والشيوخ الكبار المعممين .. والحوذية فوق عرباتهم .. والحمام يقتات بالغلال طرحها سوق الأمس أرضا ..
كل هذا وهو جالس في عالمه وحده .. خلف نافذة وستار .. حوله سحابات من دخان التبغ .. وفي جبينه عبسة ..
كان أبي الشيخ بين خلان ثلاث .. مصحفه .. والمذياع .. وجريدة الأمس أماتها الليلَ قراءة .. لا يدع أحدهم إلا إلى أخيه .. في هذا الأصباح الربيعية .. عليلة النسيم .. عليلة الروح! .. وأمام عيونه الداكنة المطفأة كان الزمان يرجّع الذكريات .. (والذكريات صدى السنين الحاكي) .. ومع صوت مذيعة الإذاعة البريطانية يعلو نبض خافقه في أذنيه ويخبو ..
كان الصوت يتلو عليه من نبأ العراق الذبيح ذكرا .. ولا يكاد يصدق هو ما قد جرى .. وكيف أنه سقط بين عشية وضحاها ..
"أوهكذا تدول الدول ؟!" ..
لم يخل أبي سقوط بغداد بتلك الطريقة التترية الوضيعة ..
"أين هي الناصرية وأم قصر ؟! .. أين الصحاف وحديثه؟! .. أين .. أين؟!"
وبين هذه الخطوط تسم جبينه .. اختبأت عبسات وعبسات .. عبسة حزيرانية ستينية .. وعبسة نكبويّة لبنانية .. وعبسة الخليج التسعينية .. عبسات وعبسات ..
"لك الله يا أبت .. كم من حرب عاشها هذا القلب الضعيف؟!"

قصر العيني ..
القاهرة في آذار 2006
اجتزت الشارع العريض .. وعلى ظهري سترتي الجلدية .. وقد ضقت بها في ذاك الجو الحار ..
كان حذائى الأسمر يصطك بالإسفلت في ثقة وشغف .. لكأنه يلثمه في غدو ورواح .. فها هنا سارا! ..
"ولكن منذ متى كان هذا؟؟" ..
وبحركة آلية .. طارت يميني إلى جبيني العريض .. وراحت تخدشه عساه ينزف فكراً ..
"ياه! .. " ..
خمس وثلاثون عاما فاتت منذ دقت أرجلهما أرض هذا الشارع للمرة الأخيرة !
إلا أن العمائر المشرئبة والمصابيح العتيقة لا تزال تحتفظ لها هنا بمكان .. بل بجل المكان ما لم يكن كله !
فهذه (دار الحكمة) يردها الأطباء في صبح ومساء .. منذ ذلك العهد الذي كانوا يتحلون فيه بلقب (الحكيم) .. إلى يومنا هذا ..
وتلك (صوت العرب) يغزو أثيرها كل مذياع في ربوع قاهرة المعز .. ما لم يكن في القطر كله ..
أما هذا الطود الشامخ .. هذا الصرح الممرد من أحجار راسيات .. فإنه لم يزل محجا للبشر .. إنه (قصر العيني) .. كلية الطب البشري .. كم خرّجت هذه آلاف الأطباء المصريين والعرب .. ترى ألا يزالون يحفظون لها قدرها في صدورهم؟؟ .. أم أن ما نستكنهه من مخبآتها ينقض هذا؟؟ ..
"يالله!" ..
ما أجمل أن تلزم غرس أبويك! .. وأن تطأ قدماك موطئ أقدامهما! .. ها هنا كان مسيرهما .. بوجهين ناضرين .. وقلبين شابين يملأهما طموح في غد .. غد جميل .. لم يكونا يومها مهمومين كيومهما هذا .. لا أبي بوجهه الأسمر الضحوك .. وسراويله الواسعة .. ولا أمي بمعطفها .. وثيابها السابغة .. حقا .. لو علمنا الغيب لاخترنا الواقع راضين مرضيين .. فنحن -الطلبة الصغار على ما نحن فيه- لما نر من هموم الحياة شيئا يذكر!! ..
ضحى جمعة ..
أبي ممسك بعجلة القيادة .. وأنا جواره .. نقطع الطريق إلى عاصمة المحافظة في سيارتنا الفرنسية القديمة ..
كان الجو دافئاً .. الشمس في جوف السماء .. وفلول من الغيمات المشرذمة .. أشجار الجزورين تتأبط ذراعي الطريق الطويل الذي يبدأ في القاهرة وينتهي في الجنوب عند السد ..
(أمْ حَسِبْتَ أنّ أصحابَ الكهفِ والرّقيمِ كانوا مِنْ أياتِنا عجباً)
كان أبي يرتل سورة الكهف كالعادة .. وأنا أراقب الطريق بعينيّ -الصحيحتين دونما نظارات- في صمت ..
كنت أحفظ الطريق عن ظهر قلب .. أشجاره ونخيله .. أكواخه وسواقيه .. روابيه ووهاده .. فهذا طريق مدرستي القديمة في العاصمة .. أشقه غاديا في الصباح .. رائحا بعد الزوال ..
كنا نشيّع سيارات (الغربية) -بلدنا- بنظرات لاهفة وبسمات ودعاء .. ونتمني أن نئوب كما تئوب ..
آب أخي .. لكن إلى مصر المحروسة .. إلى القاهرة .. بلد أمنا .. فهل طابت نفسه؟؟
عاد أخي وقال لي بعيونه البراقة .. "فين أيام ما كنا بنمشي من قفط لقنا؟؟"
وقفط ليست إلا المركز الصغير الذي نعيش فيه في الصعيد .. أما قنا فعاصمة المحافظة ..
قلت .." أمرك عجيب ! .. مش إنت اللي كنت بتقول (إمتى الزمان يسمح يا جميل؟!) .. مش إنت اللي كان نفسك الأيام تمر وترتاح من الصعيد وأيامه ؟!"
لكنه الحنين .. الحنين إلى أشلائنا الممزقة على صدر مصر في شمال وجنوب ..
أهاب بي قلمي ذات مرة فقال :
"يا صاحبي .. أما آن لي أن أقر عينا ؟! .. ألم يأن لي أن أثوي على فنن؟! .. تغشاني الصبا في الشمال تارة .. ويقتلني القيظ في الجنوب أخرى ..
أدميتني .. وضحكتَ يوما .. ومزجت دمي بدمع عينك أياما .. ما دهاك؟! .. أي إنسان أنت؟!"
أرحت القلم إلى الطاولة تحت المصباح ..
زمّ عينيه وقد أبهرهما الضوء ..
"يا هذا ارحمني! .. رباه ألا تتم لي راحة في الدنيا ؟؟ .. ساعة بيد هذا السفاح .. وساعة يضويني هذا الشعاع السافر .."
ولم تمض اللحظة حتى حطـّت على القلم بعوضة ..
"(يسعد مساك) .."
حيّته البعوضة .. كانت رائحة الدم تفوح من خرطومها .. فأعرض عنها القلم ..
"ما بك ؟! .. ألن تنتهي عن كبرك هذا؟! .. انظرإليّ أطير .. أحط عليك وعلى صاحبك .. أسلبه دمه .. وأقض مضجعه .. وأنت ها هنا عبد مكبّل .. لا تنثني عن منزلك الذي أنزلك إياه قيد أنملة .."
أزّت البعوضة .. حلّقت .. وضمها الظلام .. رمقها القلم في أسىً .. وأرسل جفنيه للكرى ..
كنت قد أطفأت السراج ..
ياسمينة يابسة تتصدر ورقة مصـفرّة في دفتر أبي الشيخ .. وتحتها كتب بحبر أحال الزمان نضرته ..
(إليها في عيدها) ..
عمر دفتره هذا ذرّف على الأربعين ولما يبلغ الخمسين بعد .. كان يومها شابا غض الإهاب .. لا تفارق ابتسامته ثغره النضيد .. على الأقل في الصور الفوتوغرافية التي التقطها له خلانه الجامعيون .. لكن ماذا عما وراء عالم الصور؟؟ .. عن لياليه القاهرية تحت مصباح التنغستن الأصفر .. بين جدران شاحبة دثّرتها أوراق الجرائد ..
كان هذا في أواخر ستينيات القرن الماضي ..
مصر تغشاها غلالة عبرانية سوداء .. صوت (ناصر) الهادر كان قد تهدّج وهدأت عقيرته ..
ولم يكن أبي يمتلك صدراً يدفن فيه وجهه ليذرع في البكاء ..
كانت أمه المتوفاة واسطة عقد أحاديثه .. ربما في دفتره الكتوم فحسب .. فالأخير زاخر بعشرات القصائد ذوات الوجه والمداد الشاحبين .. كلها تتغني برحيل هذي الأم التي لم أرها .. ولم يرها أي من إخوتي ..
رحلت وأبي -الشيخ- ابن ستة عشر عاماً .. يباري أترابه الكرة .. فتخطـّفه خبر منيتها ساعة لهوه .. وأسقط في يده .. وما عساه يفعل؟! ..
عاد إلى الدار ..
كانت مسجاة تحت غطاء .. فاحتضن بدنها وبطنها المنتفخ بالمصل .. كانت عيناها الهادئتان مغمضتين .. وكان يظن أنه بغمزة أو تربيتة ستستيقظ ككل صباح .. تكفيه جهد يومه .. تطعمه وتسقيه ..
ثمة صفرة ذاهبة كانت على وجنتها الباردة كثلج كانون .. وضفائرها المهملة تنساب على الوسادة تحت رأسها في استسلام .. وكفاها الضامرتان مبسوطتين نافضتين عنهما أذى الدنيا .. لا عجين ولا قمامة .. لا غسيل ولا طهي إلى الأبد ..
لهذا .. كان على ياسمينة أبي ابنة الأربعين ربيعا أن تبقى .. لا يكسرها جفافها .. كيف لا ولما يجف ماء عينها وعينه في عيدها بعد؟!
![]()
كانون أول 1987-مرفأ الذاكرة
أبحرت وأبحرت .. وماج بقاربي الواهن بحر من الأضداد .. بحر لجيّ .. يغشاه موج .. من فوقه موج .. من فوقه سحاب .. بحر غاب شاطآه .. فواحد غار في ثنايا مخي فلا أجده .. وآخر لمّا أره بعد ..
أتراني أذكر هذا اليوم فأضعه حتى موضعه من السنة؟؟ .. ليتني أفعل .. فالخطب كان جللا .. فأعيى اللبيب والأريب !!
العيادة يلفها دثار من الصمت .. وآخر من دخان التبغ .. وكلٌ يتقي نظرة رفيقه .. فليس ثمة جواب لسؤل .. ولا دواء لما أمرض الدهر ..
جلس أبي مكسورا جناحه .. ألصقني بخده الشائك .. وحملق في عينيّ الخاويتين من كل تعبير .. وراح يزنني بيديه الصلبتين ..
"أأنت من فعلت بأمك كل هذا؟!" ..
قالها .. وراح يتفرس رأسي الكبير .. وشعري الذابل ..
وعلى خطوات مني .. كان قلب منطفئ .. قلب اعتدت سماع نبضه تسعة أشهر .. ولم أمله .. ما باله اليوم يهدأ ؟! ..
خطوات ها هنا وها هناك .. تسبيحات .. وحوقلات .. أسف .. وتنهيدات .. فالقلب الكبير بث صغيره نبضه ورحل .. ولما يطعمه من لبنه قطرة!
الزوجة .. والحبيبة .. ونديمة الغربة .. وظلة الولد .. راحت .. فهيض جناح الزوج على كل ما أوتي من قوة ..
ما عساه يفعل وهو الغريب .. أيكون طودا شامخا لا يرعوي لأجل هؤلاء الصغار بضعته .. أم يلين لمصابه؟؟
لكن شاء القدر ألا يطأ فؤاده أكثر من هذا .. فخفق القلب إليّ وهفا .. ساقه الشوق إلى مضغته الوليدة .. أفيها الوهن .. وعنها الوسن؟! .. هكذا شاء الله له -لقلبها- أن ينبض ويفيض بما لا يفيض به سواه .. وكنت وكانت .. ولا زالت أحن الناس عليّ .. حفظها الله ..
إنها أمي .. والوليد أنا !







